
|
|
رقم العضوية : 185
|
|
الإنتساب : Jan 2010
|
|
المشاركات : 129
|
|
بمعدل : 0.58 يوميا
|
|
|
|
|

|
المنتدى :
منتدى التراث الشعبي">
منتدى التراث الشعبي
بتاريخ : 02-13-2010 الساعة : 05:55 PM
بقرة بنت صالح
حدثني مصلح بن سعد عفا الله عنه قائلا :
في بلدتنا ومرتع معيشتنا , ما أن ينمحق الفجر , وترسل الشمس أشعتها حتى ترى النفس ما يدعو للمسرة , فالجبال مخضرة ,ولآلئ الدر تتلألأ على صفحات الغدارن , والطير تترنم على الأغصان, فتتذكر قول الشاعر :
والطل في تلك الغصون كلؤلؤٍ ** رطبٍ يصافحه النسيم فيسقطُ
والطير يقرأ والغدير صحيفةً ** والريح يكتب والغمام ينقطُ
أو تتذكر قول ذلك العاشق :
فساحاته يستغرق الوصف عدّها ** ويستوقف الأحداق حسنا أباطِحُه
مسارح غزلانٍ سلبن ذوي الحجى ** حجاه إذا مرت هناك سوانِحُه
ينتشر الناس منذ الفجر في كافة أرجاء البلدة .. هذا يحرث وذاك يقوم بتسوية( مساقي ) بلاده .. وهذه تستقي ,وتلك تحتطب .. كل منهم في شأن... وما تكاد ترتفع الشمس قليلا حتى يلحق الصغار بأهلهم في الأودية ومعهم ضأنهم وغنمهم وأبقارهم , حاملين لذويهم وجبة إفطارهم , فتمتلئ الطرقات بهم وبدوابهم .. يتحركون فيها بانسياب لا يعكر صفوه إلا بقرة بنت بن صالح , فهي لا تكاد ترى ضأنا ولا غنما إلا وتطلق ساقيها خلفها فتنطح هذا , وتركل ذاك , وتعبث بالقطيع حتى تفرق جمعه وتشتت شمله .. وكم من نعجة أصابتها بعاهة جسمية .. وكم من رضيع مع أمه أصيب بصدمة نفسية وانفصام في الشخصية لهول ما رأى ؟؟ ..
كان كل فرد يسير ومعه أنعامه يدعو الله ألا تصادفه بقرة بنت بن صالح .
ومن عجائبها أنها لا تبغض الغنم والضأن فحسب بل إن لها مع الدجاج قضايا .. فإن سمعت َ صوت الدجاج وهو يصيح صياح المستغيثين و يطير هربا من فناء لآخر فاعلم أنها خلفه تطرده, وتأكل مَن تُدرِكه . ولا تسأل أيضا عن حسرة بعض نساء البلدة ممن ينشرن الملابس بعد الغسل في مكان تستطيع أن تصل إليه تلك البقرة , فهي تلتهم ما شاء الله من تلك الملابس وتسحب البعض الآخر باتجاه الأرض حتى تطأه بقدميها .. وكم من رجل وامرأة يسيرون في البلدة وآثار بقرة بنت بن صالح على ملابسهم ؟
وذات يوم وبينما كان جمع من البقر يرعى في نعم الله في تلك الفياض النضرة, وبقرة بنت بن صالح واقفة كمن لم يرق له أمر , ذهبت إليها بقرة
السيد ولد بن حسين وهي بقرة فاضلة , فقالت لها : ياهذه لقد كثر إيذاؤك للناس ودوابهم , وإن البقر يستفاد من لحمها ولبنها وروثها وجلدها وحرثها, وأنتِ أصبحت عاقرا لا تلدين ولا تحرثين ولا تسقين الزرع , فلم يبق إلا أن يستفيد الناس بلحمك وجلدك , فأحسني خاتمتك ؟؟ لكنها نظرت إليها شزرا ثم صعرت خدها مولية عنها , قائلة لها : إن ما أعيش فيه من النعيم والراحة يحسدني عليه جميع البقر , واسألي ثور مشبب بن علي إن شئتِ..
فقهقهت ثم قالت: أوما وجدت شاهدا إلا ثور مشبب .. أما تعلمين انه يقال : ما أظرفه ما أجلده وليس في قلبه مثقال ذرة من إيمان .. يا غشيمة تريدين أن تظلي بين البقر قليلة القيمة , إن الأيام في ارتحال , ومآل الدنيا إلى زوال؛ فبم اغتررتِ وكيف خُدعتِ ..,,
لكنها كانت لا تحب الناصحين , فولت عنها معرضة إعراض المستكبرين ؟؟
ولأن لكل بطاح يوم بطوح , فإن خال بقرة بنت بن صالح كان فيه حِدة , وممن لايغلب هزله جِده , فكان لا يراها إلا وينطلق في إثرها؛ فتفر منه فرار المجذوم من الأسد ...
استمرت بقرة بنت بن صالح في استمراء زللها , مبغضة من يُبصرها بخللها , وأصبحت تكثر من اختلاق الأكاذيب لتحسين صورتها وواقع حالها , فالدعاية فن من الإيحاء والسيطرة على العقول من خلال الترغيب والاستهواء والإغراء وذلك بإثارة العواطف وكثرة التكرار ( على طريقة اكذب واكذب واكذب حتى يصدقك القوم كما تفعل صحافتنا مع بعض ذوي الهيئات ) , ولأن النفس ضعيفة , ولكل قولٍ سامع , وللساقط لاقط , فقد خشي الناس على بقرهم من تأثيرها فأجمعوا رأيهم على مخاطبة بنت بن صالح بشأن بقرتها , فقررت بيعها على عجل , وبخاصة أن البقرة كانت مهداة لها من بعض المحسنين فأخجلها ذلك كثيرا فتربية النساء ينقصها الحزم ولذلك نشأت البقرة دون لجام يلجمها , ودون وال يتولى أمرها , وكانت الأسواق المجاورة للبلدة تتسمى بأيام الأسبوع فهناك سوق السبت والأحد والاثنين والثلاثاء إلى الجمعة , فركستها ( ربطت عنقها إلى يدها ) ثم أركبتها في قلاب ( سيارة ) العجوز بن ظافر الذي كان لا يحسن غير إمساك المقود , فشد الرحال إلى سوق السبت , لكنه لم يصل بها إلا وقد كُسرت رجلها لهول السياقة وصعوبة الطريق , ولهذا لم يسمها(يسومها) ويقدم على شرائها إلا من امتهن الجزارة , فباعتها بعد أخذ ورد بثمن بخس قيمته ألف وخمس ( 1500ريال) .. تناولتها يد الجزار بغلظة فهوت بها من صحن القلاب إلى عرصات السوق وحال البقرة كمن يقول (يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَك ) وماهي إلا لحظات حتى أصبحت في عداد الأموات , وأصبحت معلقة برجلها , عارية من جلدها .. نعوذ بالله من سوء الخاتمة .
قلت : وماذا بعد يا مصلح بن سعد ؟
قال : يا هذا إن أردت أن تعلم مقامك عند الله فانظر حيث أقامك .. فهناك من وفقه الله فلا تراه إلا وهو يدعو ويأمر وينهى ويتصدق , من كل خير قريب , وعن كل شر بعيد ... وأما بعضهم - كحال كتاب صحفنا - فهو كبقرة بنت بن صالح , انتكست فطرته , فلا تجده إلا في طريق الشر , مبغضا لأهل الخير, كاذبا في دعواه , مضيعا لأوقاته , سائرا خلف ملذاته .. فإياك إياك ..
قلت : أحسن الله إليك .. موعظة بليغة .. وذكريات طريفة .
منقول
|